محمد بن وليد الطرطوشي

285

سراج الملوك

والله إني لأحبّك لله ، فلما أكثر من ذلك شكته إلى علي ، فقال لها علي : إذا قال لك مرة أخرى ، فقولي له : والله إني لأحبك ، ما الذي تريد ؟ فعاد فقال لها ذلك ، فقالت له : وأنا والله أحبك فيه ، فقال لها : تصبرين واصبر ، حتى يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب ، فرجعت الجارية وأخبرت مولاها ، فدعا علي رضي الله عنه الخياط ، فوجد أمره على الصحة ، فوهبها له مع نفقة يستعين بها . وقال علي رضي الله عنه : الصبر كفيل بالنجاح ، والمتوكل لا يخيب ظنه ، والعاقل لا يذل بأوّل نكبة ، ولا يفرح بأوّل رفعة ، وكان يقال : الصبر سلامة والطيش ندامة . وأما القسم الرابع : وهو الصبر على ما نزل من مكروه ، أو حل من أمر مخوف : فالصبر فيه تنفتح وجوه الآراء ، وتتوقى مكايد الأعداء ، قال الله تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا [ الأعراف : 137 ] وقال تعالى : وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [ النحل : 721 ] وقال تعالى : وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [ لقمان : 17 ] . وروى ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل ، وإن لم تستطع فاصبر ، فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ، واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب واليسر مع العسر » « 1 » . وقال علي رضي الله عنه : الصبر مناضل الحدثان « 2 » والجزع من أعوان الزمان . وقال الحكيم : بمفتاح عزيمة الصبر ، تعالج مغاليق الأمور . ( وأنشدوا ) : إنّما أجزع ممّا أتّقي * فإذا حلّ فما لي والجزع

--> ( 1 ) ورد في اتحاف السادة المتقين للزبيدى 7 / 338 روى الجزء الأخير من الحديث ( واعلم أن النصر . . . ) الإمام أحمد في مسنده ج 1 / 308 ( 2 ) مناضل الحدثان : أي مبارز وغالب نوائب الدهر ومصائبه . المناضل : المبارز أو المسابق ، نقول : نضالا ومناضلة ) مباراة في رمى السهام . وحدثان الدهر : نوائبه ومصائبه .